المقريزي

178

إمتاع الأسماع

بأشداقه ، ويتكلم بجوامع الملك ، فصلا لا فضول ولا تقصير ، دمثا ، ليس بالمجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، ولا يذم منها شيئا ، غير أنه لم يكن يذم ذواقا ( 1 ) ، ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها ، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ولم يكن يغضبه شئ حتى ينتصر له ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلها : وإذا تعجب قلبها ، وإذا تحدث اتصل بها ، فيضرب بباطن راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، يفتر عن مثل حب الغمام . قال الحسن : فكتمها الحسين زمانا ثم حدثنيه فوجدته قد سبقني إليه . فسأله عما سألته . فوجدته قد سأل ( يعني عليا ) رضي الله عنه عن مدخله ومخرجه ، وشكله فلم يدع منه شيئا . قال الحسين عليه السلام سألت أبا هريرة عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك ، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء ، جزءا الله عز وجل ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ثم جزءا جزأه بينه وبين الناس ، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر عنهم شيئا . وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه ( 2 ) على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم ، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم . ويقول ليبلغ الشاهد الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته ، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة ، لا يذكر عنده إلا ذلك ، ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون عليه روادا ولا يفترقون إلا عن ذواق ، ويخرجون أدلة ( يعني فقهاء ) ( 3 ) . قال : وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه ( 4 ) إلا فيما ( 5 ) يعينهم ويؤلفهم ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه .

--> ( 1 ) الذواق ( بفتح الذال وتخفيف الواو ) المأكول والمشروب . ( 2 ) في ( خ ) ( وقسمته ) وما أثبتناه من ( صفة الصفوة ) ج 1 ص 158 . ( 3 ) كذا في ( خ ) ، وفي المرجع السابق ( يعني على الخير ) . ( 4 ) في ( خ ) ( يحزن ) ، وما أثبتناه من المرجع السابق . ( 5 ) في ( خ ) ( مما ) ، وما أثبتناه من المرجع السابق